Mars: Crash Course Astronomy #15

مرحبًا، أنا “فيل بليت”،

وهذه سلسلة حلقات Crash Course لعلم الفلك.

لا أستطيع التفكير في أي جرم في السماء

أسر مخيلاتنا كما فعل كوكب المريخ.

اعتُبر الكوكب الأحمر إله الحرب قديمًا،

وأصبح في عصرنا الحديث موقعًا

لكثير من أفلام وروايات وأفلام الخيال العلمي.

والآن وقد وصلنا إليه وحططنا على سطحه وسارت

آلاتنا عليه، لم يعد مجرد عالم في قصة خيالية،

بل أصبح مكانًا حقيقيًا قد نتجه إليه يومًا ما.

المريخ هو رابع أقرب كوكب للشمس،

وأبعد الكواكب الأرضية عنها،

أي تلك الكواكب الصخرية

والشبيهة بالأرض من حيث الحجم.

إنه يدور حول الشمس من على بعد 200 مليون

كم في المتوسط، وهذا يعني أنه خارج مدار الأرض،

ولا يقترب منها لأكثر من 60 مليون كم،

وهو أبرد من الأرض

فحرارة سطحه تبلغ 60 درجة مئوية تحت الصفر.

وهو ليس كوكبًا كبيرًا

فهو لا يتجاوز نصف حجم الأرض،

ولكنه مع ذلك عندما يكون في أقرب حالاته إلينا

يُشع في السماء بلونه الأحمر كالعين الساخطة،

ولهذا حتمًا ربطته الحضارات القديمة بالحرب.

لكن اللون الأحمر ليس سببه الدم بل الصدأ.

فذلك اللون الأحمر الذي نراه ناتج عن حبيبات

غبار ناعمة على السطح، أشبه ببودرة طلق حمراء،

وهو غني بالحديد المؤكسد الذي يشكل الصدأ،

وهو يكسو جزءًا كبيرًا من السطح مانحًا إياه

لونه الأسمر، كما أن الرياح تنشره في الجو.

جزء كبير من شطح المريخ يتألف

أيضًا من صخور بركانية رمادية اسمها البازلت،

وهي بالإضافة المعادن الأخرى

تُضفي على المريخ لونه المحمر.

يمكن رؤية المريخ بوضوح من الأرض

لكن من الصعب استخلاص

تفاصيله الصغيرة.

ولكننا لم نتخل عن فكرة وجود بيئة معتدلة على

المريخ حتى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي،

حين أرسلنا عربات السبر

ولم نجد مكاناُ صالحًا للعيش،

بل رأينا صور كوكب جاف وقاحل تمامًا.

جغرافية سطح المريخ غريبة،

فهناك تباين كبير بين نصفه الشمالي،

المكوّن في الغالب من سهول منبسطة،

ونصفه المليء بالحفر والتلال.

يبدو أن المريخ تعرض قبل دهور لصدمة

مهولة من جسم يبلغ عرضه مئات الكيلومترات،

خلف وراءه حوض شاسع امتلأ بالحمم

بالقرب من القطب الشمالي للكوكب.

تُظهر الخرائط الطبوغرافية أن أسطح نصف الكرة

الشمالي منخفضة أكثر بكثير من النصف الجنوبي،

وبمقدار عدة كيلومترات في بعض الأماكن.

فالطريق من القطب الجنوبي إلى الشمالي

هي عبارة عن منحدر.

إحدى المعالم الكبرى هي هضبة “انتفاخ ثارسيس”

الضخمة التي تضم أكبر 4 براكين في المريخ

وأكبرها في النظام الشمسي وهو “أوليمبوس مونس”.

لا توجد صفائح قارية في المريخ الآن، ولكن

الأدلة تشير إلى أنها كانت موجودة في الماضي.

كان ثارسيس على الأرجح يقع فوق بقعة ساخنة،

أي عمود مواد ساخنة تتصاعد في دثار الكوكب،

وقد يكون ذلك سبب تشكل الانتفاخ، ومع تحرك

الصفيحة ببطء اخترق عمود الصّهار القشرة

مشكّلة ثلاثة براكين

أصغر من ثارسيس ولكنها ما تزال ضخمة.

لكن أعظم تضاريس المريخ هو وادي “مارينيرس”،

وهو وادٍ اكتشفه مسبار “مارينر 9”

عندما دار في مدار المريخ في السبعينات.

إنه أخدود ضخم على سطح المريخ

يبلغ طوله 4000 كم وعرضه 200 كم وعمقه 7 كم،

أي أنه أطول وأعرض من وادي غراند كانيون

بعشر مرات. ولكنه على عكس غراند كانيون

لم يتشكل بفعل الماء،

بل ربما تشكّل مع ارتفاع انتفاخ ثارسيس،

ما أحدث شقًا على السطح باتجاه قطر الانتفاخ.

يحتوى المريخ كالأرض على غطاءين جليديين قطبيين

كلاهما مكوّن من ماء متجمد بسمك عدة كيلومترات،

ولكنهما ُيُكسيان على نحو موسمي

بالجليد الجاف، أي ثاني أكسيد الكربون المتجمد،

بسماكة تتراوح ما بين 1 و8 أمتار.

هذا يحدث في شتاء كل منهما،

وفي الصيف، تذيب أشعة الشمس ثاني أكسيد الكربون

إلى غاز يهب بعيدًا عن القطب مولدًا رياحًا عاتية.

بالحديث عن ذلك، للمريخ غلاف

جوي ولكنه رقيق. والضغط على سطحه

يعادل ما دون 1% من ضغط غلاف الأرض الجوي،

ومعظم الهواء مكون من ثاني أكسيد الكربون.

بل إن ثلث الغلاف الجوي للمريخ تقريبًا يتجمد

كل شتاء ويكسو الغطاءين الجليديين القطبيين.

لا يحمي الهواء من صدمات الكويكبات

والمذنبات، لذا فإن سطح المريخ يعج بالحفر

وما يزال يتلقى الصدمات ليومنا هذا.

مسبار الفضاء Mars Reconnaissance Orbiter

يدور حول المريخ منذ مدة طويلة لدرجة أنه

رأى حفرًا جديدة ناتجة عن صدمات حديثة.

لكن حجم الغلاف الجوي كبير كفاية

ليسمح له بالتفاعل مع السطح.

فالرياح تهب موسميًا وتملأ الحفر بالغبار،

كما يوجد رمال على سطح المريخ

مكونة من صخور بازلتية متآكلة، لذا فإن لونها

رمادي، والرياح تحولها إلى كثبان رملية جميلة،

ومنها الأخاديد المتوازية في قيعان الحفر

والكثبان هلالية الشكل.

نجد على المريخ أيضًا

دوامات ترابية شاهقة تشبه الأعاصير،

ويمكن رؤيتها من المدار، وعندما تنشر

الغبار الأحمر على السهول البازلتية الرمادية

فإنها تُشكل زخارف مجعدة في غاية الجمال.

من أروع الاكتشافات الحديثة عن المريخ

هي حدوث انهيارات ثلجية

حيث ثمة منحدرات شاهقة كثيرة، وعندما يذوب

ثاني أكسيد الكربون المدفون في الربيع،

فإن ذلك من الممكن أن يزحزح المواد من مكانها

ما يُشكّل شلالات هائلة من الصخور والغبار.

وقد شهدت المسابر الفضائية الحائمة في مدار

المريخ الكثير من هذه الانهيارات أثناء حدوثها.

للمريخ قمران صغيران للغاية شبيهان بالبطاطا

اسميهما “ديموس” و”فوبوس”.

يبلغ عرض فوبوس حوالي 25 كم، وديموس

15 كم فقط. وكلاهما يشبه الكويكبات كثيرًا،

وربما أسرهما المريخ بالفعل

من حزام الكويكبات القريب.

ولكن أصلهما غير معروف يقينًا.

يدور فوبوس حول المريخ

على ارتفاع 6000 كم فقط فوق السطح،

وبسرعة تفوق سرعة دوران المريخ حول نفسه،

فيبدو من السطح وكأنه يشرق من الغرب

ويغرب في الشرق. قوى الجذب

من المريخ تغير مسار دوران فوبوس

وتقربه من السطح أكثر فأكثر، ومن المتوقع خلال

بضعة ملايين من السنين أن ينخفض بدرجة كافية

ليخترق الغلاف الجوي ويصطدم بالسطح.

سيكون ذلك مشهدًا مثيرًا للغاية…

إن شاهدناه من على بعد مسافة آمنة.

يُمكن رؤية القمرين من بعض المواقع

على السطح وهما يعبران من أمام الشمس مباشرة،

وقد التقطت المركبات الجوالة

على سطح المريخ صورًا كثيرة لهذه الأحداث،

وهذا أمر رائع.

قد يتساءل المرء بما أن المريخ يحتوي على صخور

وهواء وطقس وبراكين إن كان يحتوي على الماء.

فإذا كان هناك ماء متجمد عند قطبيه،

فماذا عن بقية الكوكب؟

نعرف أن هناك جليد في وسط المريخ،

فبعض بقع اصطدام الكويكبات الصغيرة بالسطح

محاطة بمناطق بيضاء، وهي مستودعات

جليدية تحت الأرض نبشتها الاصطدامات.

لكن لا دليل قاطع يثبت

وجود الماء على سطح المريخ حاليًا.

بعض جدران الفوهات تنهار

وتجري إلى أسفلها قنوات داكنة

تبدو وكأنها تشكلت نتيجة لتدفق الماء، لكن هناك

أسباب أخرى محتملة تجعل السبب غير مؤكد.

لكن لم تكن الحال هكذا في الماضي،

إذ كان المريخ مليئًا بالمياه، وهناك أدلة عديدة

على أن السطح جرت عليه المياه في الماضي،

ومنها مجاري الأنهار والبحيرات الجافة

والطبقات الرسوبية، والمعادن التي يتطلب تشكلها

وجود الماء. بل إن ثمة أدلة على وجود محيطات.

لكن كل ذلك اختفى بلا سبب واضح.

قبل مليارات السنين

كانت حرارة المريخ أعلى

وغلافه الجوي أسمك، ولكن لسبب ما

فإن مولده الداخلي توقف عن العمل واختفى مجاله

المغناطيسي فأصبح عرضة للرياح الشمسية،

وانجرف الغلاف الجوي

على مدار مليارات السنين وتلاشت معه المياه.

وهذا يثير تساؤلًا بديهيًا آخر: إذا كان يحتوي

على الهواء والماء فهل كانت عليه كائنات حية؟

لم يؤخذ هذا السؤال

على محمل الجد قبل بضعة عقود،

لكنه أصبح الآن يثير اهتمامنا للغاية بما يكفي

لننفق مالًا كثيرًا لإرسال مسابير إلى المريخ

لتدرس ظروف دعم الحياة الحالية والماضية،

لكن السؤال ما زال بلا إجابة.

ونحن نعرف أن الحياة على الأرض

نشأت سريعًا بعد أن برد سطحها،

والمريخ أصغر وقد برد بسرعة أكبر بعد تشكله،

لذا فإنه ليس من غير المنطقي بتاتًا

أن نتساءل عما إذا كانت الحياة

قد نشأت هناك حتى قبل نشوئها هنا.

اكتشفت مركبة “كيوريوسيتي” الجوالة

جزيئات عضوية بسيطة في عينة صخرية،

وهذا لا يعني وجود الحياة،

ولكنه يعني أن مكوناتها كانت وما تزال موجودة.

كما أنها كشفت ارتفاعًا وجيزًا في الميثان،

وهو غاز طيار يمكن لأشكال الحياة أن تنتجه

وكذلك عمليات جيولوجية أخرى.

الأدلة الحالية مبهمة للغاية

ولكن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت.

لم يعد المريخ كما كان،

لكن ذلك لا يعني أنه بعيد المنال.

والوصول إلى المريخ صعب، فقد فشلت نصف

البعثات التي أرسِلت إليه، ولكنه ليس مستحيلًا.

لقد حققنا نجاحات مذهلة بما في ذلك إرسال

المركبات المدارية والجوالة ومركبات الإنزال.

أرى أن ما تعلمناه عن ذلك الكوكب في بضعة

العقود الأخيرة يفوق ما تعلمناه على مدى قرون.

ولكننا لم نرسل سوى الروبوتات

حتى الآن، فهي فعالة وقليلة التكلفة نسبيًا،

لكنها بطيئة ومحدودة القدرات، فبإمكان البشر في

ظرف أسابيع القيام بما يستغرق المركبات أعوامًا

إلا أن البشر يحتاجون

إلى الماء والهواء والطعام

ولا يستطيعون تحمل الأشعة أو الفراغ.

لكن فكرة إرسال الناس إلى المريخ

لم تعد جنونية كما كانت في الماضي،

فقد أتقنا بناء الصواريخ، والتكنولوجيا اللازمة

للاستكشاف البشري هي في طور التطوير الآن.

بل إن العلماء يتناقشون حول مواقع

الهبوط المحتملة وأماكن بناء القواعد.

من المقترحات استخدام أنابيب الحمم، أي كهوف

تولدت نتيجة تدفق حمم بركانية في الزمن الغابر،

حيث برد الجزء العلوي من الحمم المتدفقة ليتشكل

السقف. ونحن نعرف يقينًا أنها موجودة

لأننا رأينا ثقوبًا في الأسقف تسمى “مناور”

يدخل منها الضوء إلى الكهوف،

وبإمكانها أن تحمينا من الإشعاع الشمسي

والطقس وعواصف الغبار العاتية في الربيع،

ويمكن إغلاقها وملؤها بالهواء.

ومنها يمكننا استكشاف جزء كبير من الكوكب،

وجمع معلومات تفوق كل ما تعلمناه حتى الآن.

لا أعرف متى قد يحدث ذلك، فقد يحدث ذلك

بعد عشرات السنين، ولكنه سيحدث لامحالة،

وفي النهاية سنعيش على كوكب المريخ.

تعلمتم اليوم أن المريخ أصغر وأبرد من الأرض،

وفيه غطاءان جليديان قطبيان

وغبار صدئ يكسو سطحه. كما يحتوي

على أكبر بركان ووادٍ في النظام الشمسي.

ورغم جفافه، إلا أنه كان

أكثر دفئًا ورطوبة بكثير ذات يوم،

وكان غلافه الجوي أسمك،

بل وربما عاشت عليه كائنات حية.

تم إنتاج البرنامج بالاشتراك

مع أستوديوهات PBS Digital.

زوروا قناتهم للمزيد من مقاطع الفيديو الرائعة.

هذه الحلقة من كتابتي أنا فيل بليت

النص من تحرير بليك دي باستينو ومستشارتنا

هي د. ميشيل ثالر. شارك في إخراجها…

نيكولاس جنكينز ومايكل أراندا ومنتجتها نيكول

سويني، وفريق الرسومات هو Thought Café.

اترك تعليقاً

إغلاق القائمة