الكون هو كل ما هو موجود وما وجد وما سيوجد. وان أبسط تأمل لنا في الكون يحرك مشاعرنا فتمر قشعريرة في العمود الفقري ، ويخفت الصوت ويسيطر إحساس بالدوار كما في تذكر الأشياء البعيدة ، أو السقوط من ارتفاع ما. فنحن نعلم أننا نقترب من أعظم الأسرار.
إن حجم الكون وعمره خارج إدراك الإنسان العادي. ففي مكان ما بين اتساع الفضاء وخلود الزمن يضيع كوكبنا المعروف بالأرض وفي المنظور الكوني فإن كل الاهتمامات الإنسانية تبدو غير مهمة بل بائسة ومع ذلك فإن جنسنا البشري فهو فضولي وشجاع وواعد.

وفي الفترة الأخيرة الممتدة عدة آلاف من السنين استطعنا أن نصل إلى اكتشافات مذهلة وغير متوقعة عن الكون ومكاننا فيه ، وهي اكتشافات يبعث تقديرها البهجة في النفس. فهي تذكرنا أن الكائنات البشرية خلقت لكي تفكر وأن الفهم متعة ، و المعرفة شرط لاستمرار الحياة.

إن سطح الكرة الأرضية هو شاطئ المحيط الكوني ومنه تعلمنا أغلب ما نعرفه ، ومؤخرا نزلنا قليلا إلى البحر و بما يكفي لتبليل أصابع أقدامنا فقط.أو ربما وصلت الماء إلى رسغ القدم. ولكن الماء يبدو جذابا ، والمحيط يدعونا إليه وثمة جزء من كياننا يدرك أننا جئنا من هذا ا لمكان ونحن نشتاق إلى العودة.

إن أبعاد الكون هي من الاتساع بحيث لا تجدي معها وحدات قياس المسافة العادية كالمتر والكيلومتر التي تستخدم عادة في كرتنا الأرضية وعوضا من ذلك فإننا نقيس المسافة بسرعة الضوء. ففي ثانية واحدة يقطع شعاع الضوء 186 ألف ميل أو 300 ألف كيلومتر تقريبا ، أي يدور حول الكرة الأرضية سبع مرات ونصف المرة ، وهو يقطع المسافة بين الشمس والأرض في ثماني دقائق.

سرعة الضوء من الارض للقمر

و يمكننا القول إن الشمس تبعد عنا مسافة ثماني دقائق ضوئية ، وفي سنة واحدة ، يقطع الضوء نحو عشرة تريليونات (جمع تريليون وهو ألف مليار) كيلومتر ، أو زهاء ستة تريليونات ميل في الفضاء وهكذا فإن وحدة الطول التي يقطعها الضوء في سنة واحدة ، تدعى سنة ضوئية ، وهي لا تقيس الزمن ، بل المسافات أو بالأخرى المسافات الكبيرة جدا.

مسافة من الشمس الى الارض

والكرة الأرضية هي مكان لكنها ليست المكان الوحيد بأي حال من الأحوال وليست حتى المكان النموذجي. ولا يمكن لأي كوكب أو نجم أو مجرة أن يكون نموذجيا لأن الكون فارغ في معظمه أما المكان النموذجي الوحيد فهو الموجود في الفراغ الكوني البارد والواسع ، وهو ذلك الليل الأبدي في الفضاء الذي يفصل بين اﻟﻤﺠرات وهو مكان بالغ الغرابة ومقفر تماما ، تبدو الكواكب والنجوم واﻟﻤﺠرات إذا ما قورنت به نادرة جدا ورائعة.واذا ما أدخلنا بالمصادفة في هذا الفضاء الكوني فان احتمال أن نجد أنفسنا على أو قرب كوكب ما سيكون أقل من واحد في مليار تريليون تريليون. أي 1×〖10〗^33 أو الرقم 1 يمينه 33 صفرا ، وتعتبر هذه الأرقام لا صلة لها بحياتنا اليومية. إنها لعوالم مهيبة. ولو افترضنا أننا وقفنا عند نقطة عليا تسمح لنا بأوسع أفق للرؤية بين اﻟﻤﺠرات فسوف نرى أجزاء متناثرة من الضوء تبدو كالزبد فوق أمواج الفضاء ، وبأعداد لا تحصى ، وتلك هي اﻟﻤﺠرات التي يجول بعضها وحيدا أو معزولا بينما يشكل أغلبها عناقيد مجمعة ، تتحرك معا مندفعة إلى مالا نهاية عبر الظلام الكوني الكبير ونرى أمامنا الكون في أكبر اتساع نعرفه ، فنحن الآن في عالم الغيم السديمي الذي يبعد عن الأرض ثمانية مليارات سنة ضوئية ، أي يقع في منتصف المسافة إلى حافة الكون المعروفة حاليا.وتتألف اﻟﻤﺠرة من غاز وغبار ونجوم يبلغ عددها مليارات المليارات. وكل نجم منها يمكن أن يكون شمسا لبعض الناس ! وتوجد في كل مجرة نجوم وعوالم ، وربما تنتشر فيها أسباب الحياة والكائنات الذكية والحضارات التي تسافر عبر الفضاء. ولكن اﻟﻤﺠرة تذكرني من بعيد بجموعة من الأشياء الرائعة كأصداف البحر ، و الأحجار المرجانية وعجائب الطبيعة أو منتجاتها على مر الدهور في المحيط الكوني.يوجد مئة مليار ( 10^11) مجرة ، وفي كل منها مئة مليار نجم في المعدل ، وهكذا يوجد في كل اﻟﻤﺠرات عدد من النجوم يبلغ تقريبا 〖10〗^11×〖10〗^11=〖10〗^22أو عشرة مليارات تريليون ، ومع وجود هذا العدد الكبير جدا من النجوم فما هو احتمال أن يكون لنجم واحد منها وهو الشمس كوكب مسكون ؟ ولماذا يجب أن نكون نحن-سكان الكرة الأرضية الموجودين في زاوية منسية من الكون – على هذا القدر من الحظ ؟ يبدو لي أن ثمة احتمالا أكبر أن يكون الكون زاخرا بالحياة ولكننا نحن البشر لا نعرف شيئا عن ذلك حتى الآن وقد بدأنا توا في اكتشافاتنا من مسافة ثمانية مليارات سنة ضوئية يصعب كثيرا أن نجد حتى عنقود أو مجموعة اﻟﻤﺠرات التي تنتمي إليها مجرتنا المعروفة بدرب التبانة ( The Milky Way ) فما بالك إذا أردنا التفتيش من هذه المسافة الكبيرة عن الشمس أو عن الأرض. أن الكوكب الوحيد الذي نحن متأكدون من كونه مسكونا هو تلك البقعة الصغيرة جدا من الصخور والمعادن التي تشع بشكل خافت متأثرة بانعكاس ضوء الشمس عليها ، والضائعة كليا على هذه المسافة..

ولكن رحلتنا تأخذنا الآن إلى ما يحب الفلكيون على الأرض أن يدعوه مجموعة اﻟﻤﺠرات المحلية وهي تمتد إلى بضعة ملايين من السنين الضوئية ، وتتألف من نحو عشرين مجرة كاملة البنية وهي تشكل عنقودا متناثرا ومظلما وبسيطا. تعرف إحدى هذه اﻟﻤﺠرات بـ M31 وترى من الأرض في مجموعة الـ أندروميدا Andromeda وهي تتألف شأنها شأن اﻟﻤﺠرات الحلزونية الأخرى من حشد دائري هائل من النجوم ومن الغاز والغبار.و للمجرة M31 تابعان صغيران هما عبارة عن مجرتين إهليجيتين صغيرتين نسبيا ، ترتبطان بها بوساطة الجاذبية ، وذلك حسب القانون الفيزيائي الذي يمنع سقوطي عن الكرسي الذي أجلس عليه. فقوانين الطبيعة هي ذاتها في كل أنحاء الكون وقد أصبحنا الآن على مسافة مليوني سنة ضوئية فقط من منزلنا الأرض.وراء اﻟﻤﺠرة M31 توجد مجرة أخرى مماثلة لها وهي مجرتنا التي تدور أذرعها الحلزونية ببطء و بمعدل مرة واحدة كل ربع مليار سنة.

موقعنا من مجرة درب التبانة

 نحن الآن على مسافة 40 ألف سنة ضوئية من منزلنا ونجد أنفسنا في حالة سقوط نحو المركز الكثيف لدرب اللبانة ، ولكن إذا رغبنا في العثور على كرتنا الأرضية فيجب أن نغير مسارنا إلى الضواحي البعيدة ﻟﻤﺠرتنا أي إلى تلك المنطقة المظلمة قرب حافة الذراع الحلزونية البعيدة. ولكن الانطباع الذي يغمرنا كلية ، حتى ونحن بين الأذرع الحلزونية مصدره ذلك الحشد الهائل من النجوم التي تمر بنا وهي تشع ذاتيا ومنها ما هو رقيق كفقاعة الصابون لكنه كبير ويستطيع احتواء عشرة آلاف شمس أو تريليون كرة أرضية ومنها ما هو بحجم بلدة صغيرة وأكثف بمائة تريليون مرة من الرصاص.

ومنها ما هو منعزل كالشمس ولأغلبها مرافقين والمنظومات المزدوجة عادة تتألف كل منها من نجمين يدور أحدهما حول الآخر ، لكن يوجد تدرج مستمر من المنظومة الثلاثية النجوم حتى العنقود أو اﻟﻤﺠموعة المؤلفة من بضع عشرات من النجوم وانتهاء بالعناقيد أو اﻟﻤﺠموعات الكروية الضخمة التي يوجد في كل منها مليون شمس ويكون النجمان في بعض المنظومات المزدوجة قريبين أحدهما من الآخر لدرجة أنهما يكادان يتلامسان وتنتقل مواد كل منهما إلى الآخر.ويكون هذان النجمان في أغلب المنظومات المزدوجة منفصلين كما هو كوكب المشتري بالنسبة إلى شمسنا.

هناك بعض النجوم كالسوبرنوفا تكون ذات إضاءة تعادل اضاءة كل اﻟﻤﺠرة التي تحتويها كما أن ثمة نجوما أخرى هي الثقوب السوداء وهي غير مرئية حتى من مسافة بضعة كيلومترات. وهناك أيضا بعض النجوم التي تضيء بشكل مستمر ، وبعض آخر يضيء بومضات تظهر وتختفي بوتيرة منتظمة. وكذلك فبعض النجوم يدور بأناقة رائعة ، والبعض الآخر يدور بسرعة وبشكل محموم يشوه شكله ويصبح مفلطحا أو مسطحا عند القطبين . وأغلب النجوم تنشر ضوئها بصورة رئيسة بشكل موجات مرئية أو تحت الحمراء بينما تكون نجوم أخرى مصادر متألقة للأشعة السينية ( X-Rays ) أو الموجات اللاسلكية. 

سوبرنوفا – مستعر اعظم

وتكون النجوم الزرقاء حارة وفتية والنجوم الصفراء تقليدية ومتوسطة العمر والنجوم الحمراء معمرة وتعاني ا لموت والنجوم الصغيرة البيضاء أو السوداء تعاني الاحتضار أو هي في الرمق الأخير.

حجم الارض بالنسبة للكون – مقياس تصويري لرحلة من الارض للكون الملحوظ ثم للارض مرة اخرى

وتحتوي مجرتنا المعروفة  بدرب اللبانة  على 400  مليار نجم من كل الأنواع تتحرك في تناسق معقد ومنتظم. ومن كل هذه النجوم لا يعرف سكان كرتنا الأرضية حتى الآن سوى نجم واحد.

وكل منظومة نجمية هي جزيرة في الفضاء تحجزها عن جيرانهاالسنوات الضوئية. و يمكنني  تخيل مخلوقات تستنتج نتفا من المعرفة عن عوالم لا تحصى وكل واحد منها يعتبر أولا كوكبه الضئيل والشموس القليلة هي العالم كله .  فنحن نكبر في عزلة  ،  ولا نتعلم ما هو الكون في مجموعه إلا ببطء.

يمكن أن تكون بعض النجوم محاطة بملايين العوالم الصخرية العديمة الحياة ، و المنظومات الكوكبية المتجمدة في مرحلة ما من تطورها. وربما يملك الكثير من النجوم منظومات كوكبية تشبه منظومتنا الشمسية ، ففي الأطراف كواكب غازية حلقية كبيرة وأقمار جليدية وفي الأماكن الأقرب إلى المركز عوالم صغيرة وحارة وزرقاء يشوبها البياض مغطاة بالغيوم.وفي بعضها يمكن أن تكون قد تطورت حياة ذكية واعادت بناء السطح الكوكبي من خلال مشاريع هندسية شاملة. هؤلاء هم أخوتنا في الكون فهل هم مختلفون عنا ؟ وما شكلهم ؟ وما تركيبهم الكيماوي وتكوينهم العصبي ؟ وما عندهم من التاريخ والسياسة والعلم والتكنولوجيا والفن والموسيقى والدين والفلسفة ؟يوما ما ربما سنعرفهم.

وصلنا الآن إلى حديقتنا الخلفية التي تبعد سنة ضوئية عن كرتنا الأرضية يحيط شمسنا حشد دائري من كرات ثلجية عملاقة مؤلفة من الجليد والصخور والجزيئات العضوية وهي تشكل نوى المذنبات. وبين الفينة والآخرى يشد نجم مار من مكان بعيد بقوة جاذبة ضئيلة إحدى هذه النوى فتنحرف مرغمة نحو القسم الداخلي من النظام الشمسي ، حيث تسخن بتأثير الشمس ويتبخر جليدها ويتشكل منها ذيل مذنب رائع.

ها نحن نقترب من كواكب منظومتنا الشمسية ونرى عوالم كبيرة تقع في أسر الشمس وتجبرها الجاذبية على اتباع مسارات شبه دائرية وتأخذ حرارتها بصورة رئيسة من ضوء الشمس فالكوكب بلوتو مغطى بجليد الميتان. ويدور حوله قمره العملاق الوحيد تشارون ، وهو مضاء بالشمس البعيدة التي تبدو مثل نقطة ضوء لامعة في سماء سوداء قا تمة. تلى ذلك العوالم الغازية العملاقة وهي نبتون واورانوس وكوكب زحل وهو جوهرة ا لمنظومة الشمسية وا لمشتري ، وهذه كلها محاطة بأقطار متجمدة ، وإلى الداخل من هذه الكواكب الغازية وجبال الجليد الدائرة حولها تأتي الكواكب الصخرية الحارة التي تشكل القسم الداخلي للمنظومة الشمسية. هناك على سبيل ا لمثال الكوكب الأحمر ا لمعروف بالمريخ ذي البراكين الموجودة على ارتفاعات شاهقة والوديان الكبيرة ا لمتصدعة والعواصف الرملية التي تغطي أرجاءه كلها وربما كان فيه بعض الأشكال البسيطة من الحياة.

تدور كل الكواكب حول الشمس التي هي أقرب نجم الينا وهي جحيم من غازي الهيدروجين والهليوم الداخلين في تفاعلات نووية حرارية تغمر المنظومة الشمسية بالضوء.

وأخيرا نعود في نهاية تجوالنا إلى عالمنا الضئيل والهش ذي اللون الأزرق المتداخل مع الأبيض والضائع في محيط كوني ذي اتساع يفوق أقصى تخيلاتنا. انه عالم من بين عوالم هائلة أخرى ، وقد لا يبدو كبيرا إلا في نظرنا ، وعموما فان كوكب الأرض هو بيتنا وبيت آبائنا وعلى سطحه نشأ جنسنا البشري وتطور. وفي هذا العالم أنشأنا ولعنا في اكتشاف الكون وفيه أيضا نضع قدرنا بشيء من الألم ودون أي ضمانات.

حرائق كوينزلاند استراليا

أهلا بكم في كوكب الأرض ذلك المكان الذي تغطيه سماء الآزوت الزرقاء ومحيطات الماء السائل والغابات الباردة والمروج الناعمة ، ذلك العالم الذي يزخر بالحياة. وهو في المنظور الكوني وحسبما قلت من قبل ، رائع الجمال ونادر ولكنه فريد من نوعه أيضا في الوقت الحاضر. ففي كل رحلاتنا عبر الفضاء والزمن لا يزال كوكبنا حتى الآن على الأقل العالم الوحيد الذي نعرف عنه أن ا لمادة الفضائية تحولت فيه إلى مادة حية وواعية ، ولا بد أن يكون هناك الكثير من عوالم مماثلة مبعثرة عبر الفضاء. لكن تفتيشنا عنها يبدأ من هنا ومن خلال ما يتراكم من معرفة لدى رجال جنسنا ونسائه تم جمعها بثمن كبير جدا خلال ملايين السنين ، ثم اننا نتمتع بامتياز العيش بين هؤلاء الناس الأذكياء والمحبين للاطلاع وفي زمن يكافأ فيه السعي إلى المعرفة عموما. وهكذا فإن الكائنات البشرية التي ولدت في الأصل من النجوم وتسكن حاليا ولفترة ما عالما يدعى الأرض بدأت فعلا رحلتها أو سفرها الطويل إلى مسقط رأسها الأصلي. إن اكتشاف كون الأرض عالما صغيرا كان قد تم شأنه شأن الكثير من الاكتشافات الإنسانية المهمة في الشرق الأدنى القديم وفي زمن يدعوه بعض الناس القرن الثالث قبل الميلاد ،

اراتوس ثينيساول من قاس محيط الارض

وفي أعظم عاصمة في ذلك العمر التي هي مدينة الإسكندرية المصرية ، هنا عاش رجل اسمه إيراتوس ثينيس Eratosthenes وقد دعاه أحد معاصريه بيتا وهي الحرف الثاني من الأبجدية الإغريقية وأوضح أن إيراتوسثينس كان ثاني أفضل رجل في العالم في كل شيء ولكن يبدو واضحا أن إيراتوسثينس كان الأول أو الفا في كل شيء تقريبا. وعموما فقد كان هذا الرجل فلكيا ومؤرخا وجغرافيا وفيلسوفا وشاعرا وناقدا مسرحيا وعالم رياضيات وتراوحت عناوين الكتب التي كتبها بين علم الفلك و عن التحرر من الألم وكان أيضا مدير مكتبة الإسكندرية الكبرى ، حيث قرأ في أحد الأيام في كتاب من ورق البردي عن أن القضبان العمودية لا تلقي ظلالا أمامية في نقطة حدودية من منطقة جنوب أسوان على مقربة من أول شلال لنهر النيل وقت الظهيرة من يوم 21 حزيران (يونيو) ففي يوم انقلاب الشمس الصيفي الذي هو أطول يوم في العام وإذ يقترب الوقت من منتصف النهار فان ظلال أعمدة المعبد تقصر شيئا فشيئا ، ثم تختفي نهائيا في منتصف النهار و يمكن عندئذ أن يرى انعكاس الشمس في الماء الموجود في أسفل بئر عميقة ويصبح قرص الشمس فوق الرأس تماما.

حسابات محيط الارض لاراتوس ثينيس

كان يمكن لأي شخص آخر أن يتجاهل هذه الملاحظة بسهولة ، فما أهمية القضبان و الظلال والانعكاسات في الآبار ووضع الشمس بالنسبة إلى المسائل التي نواجهها في حياتنا اليومية؟ ولكن إيراتوسثينس كان عالما وبالتالي فإن تأملاته في هذه العموميات غيرت العالم أو إنها بمعنى ما صنعت العالم. وهكذا فإن حضور الذهن عند إيراتوسثينس جعله يقوم بتجربة وأن يلاحظ عمليا ما إذا كانت القضبان العمودية لا تلقي ظلالا أيضا في الأسكندرية في الوقت والتاريخ نفسيهما (الساعة 12 من يوم 21 حزيران). واكتشف أنها تلقي ظلالا خلافا لما هو عليه الأمر في تلك المنطقة من أسوان.سأل إيراتوسثينس نفسه كيف يمكن لقضيب أن يلقي ظلا في الإسكندرية ولا يستطيع أن يفعل ذلك في اللحظة ذاتها في أسوان علما أن الإسكندرية تقع إلى الشمال من أسوان. ولنأخذ في الاعتبار خريطة مصر القديمة مع قضيبين عموديين بطول واحد ، أحدهما مغروز في الإسكندرية والآخر في أسوان ولنفترض أن كلا منهما في لحظة معينة لا يلقي ظلا البتة. يسهل اما أن نفهم هذه الظاهرة ولو كانت الأرض مسطحة وستكون الشمس عندئذ فوق الرآس تماما. وإذا كان طولا ظلي القضيبين متساويين فالأمر صحيح أيضا في أرض مسطحة حيث ستنحرف أشعة الشمس بالزاوية نفسها عن كل من القضيبين ولكن كيف يمكن أن يوجد في الوقت ذاته ظل في الإسكندرية ولا يوجد ظل مماثل في أسوان؟إن الجواب الوحيد الممكن حسب رأي إيراتوسثينس هو أن يكون سطح الأرض محدبا ، والأكثر من ذلك هو أنه كلما ازداد التحدب أو الانحناء ازداد الفرق بين طولي الظلين. والشمس بعيدة جدا لدرجة أن أشعتها تصبح متوازية عندما تصل إلى الأرض والقضبان الموضوعة بزوايا مختلفة بالنسبة إلى أشعة الشمس ترمي ظلالا بأطوال مختلفة. وبالنسبة إلى الفرق الملحوظ بين طولي الظلين فإن المسافة بين الإسكندرية وأسوان يجب أن تكون زهاء سبع درجات على امتداد سطح الأرض. هذا يعني أنك إذا تخيلت القضيبين ممتدين نحو الأسفل حتى مركز الأرض ، فإنهما سيتقاطعان مشكلين زاوية تساوي سبع درجات ، وسبع درجات تساوي نحو جزء من خمسين من محيط الكرة الأرضية المساوي 360 درجة وعرف اراتوس ثينيس أن المسافة بين الإسكندرية وأسوان هي 800 كيلومتر تقريبا لأنه استأجر رجلا لكي يقيسها بالخطوات وإذا ضربنا 800 بالرقم 50 نحصل على الرقم 40 ألف كيلومتر وهو محيط الكرة الأرضية.

محيط الارض

وهذا هو الجواب الصحيح ولم تكن أدوات إيراتوسثينس سوى قضيبين وعينين وقدمي رجل ودماغ مفكر إضافة إلى الرغبة في التجربة. وقد استطاع بوساطة هذه الأدوات أن يحسب محيط الكرة الأرضية بخطأ لا يزيد على أجزاء قليلة بالمئة ، وهو إنجاز ملحوظ قبل ألفين ومئتي سنة. كان إيراتوسثينس أول شخص يقيس حجم الكرة الأرضية بدقة. كان عالم البحر الأبيض المتوسط مشهورا في ذلك الوقت بالسفر البحري. وكانت الإسكندرية أكبر مرفأ بحري في العالم. ألن تغريك إذن معرفة أن الأرض هي كرة ذات قطر متواضع بالقيام برحلات استكشافية تحاول أن تتعرف فيها إلى أراض مجهولة. وربما تحاول أيضا أن تبحر حول الكوكب؟

تمثال نيكو فرعون مصري

وقبل أربعمائة سنة من إيراتوسثينس أبحر أسطول فينيقي حول أفريقيا بأمر من فرعون مصر نيكو ( Necho ) ويحتمل أنهم انطلقوا في تلك الرحلة البحرية في مراكب مكشوفة من البحر الأحمر وداروا حول الشاطئ الشرقي لأفريقيا باتجاه المحيط الأطلسي ، ثم عادوا عبر البحر الأبيض المتوسط. استمرت هذه الرحلة ثلاث سنوات أي الوقت نفسه الذي تحتاج إليه مركبة فوياجير الفضائية الحديثة لقطع المسافة بين الأرض وزحل.وبعد اكتشاف إيراتوسثينس ، حاول بحارة شجعان ومغامرون القيام بعدة رحلات بحرية كبرى ، كانت مراكبهم صغيرة ، ولم تكن لديهم سوى أدوات ملاحية بدائية فاستخدموا التخمين وساروا بمحاذاة الشواطئ كلما كان ذلك ممكنا. كانوا يستطيعون تحديد خط العرض في المحيط اﻟﻤﺠهول ، وإن لم يستطيعوا تحديد خط الطول ، وذلك عبر مراقبة الليل والنهار ومكان مجموعات النجوم بالنسبة إلى الأفق ولا بد أن مجموعات النجوم المألوفة كانت تبعث على الثقة في وسط محيط مجهول ، والنجوم هي أصدقاء المكتشفين عندما كانوا يسافرون في الماضي على السفن البحرية في الأرض، والآن إذ يسافرون على السفن الفضائية في السماء. وبعد إيراتوسثينس حاول بعض الناس أن يدور حول الأرض لكن أحدا لم ينجح قبل ماجلان

فكم من قصص الجرأة والمغامرة كان ينبغي روايتها عندما قامر البحارة والملاحين ، وهم رجال العالم العمليون بحياتهم انطلاقا من الرياضيات التي أثبت عالم من الإسكندرية كروية الأرض بواسطتها ؟ وفي زمن إيراتوسثينس أنشئت الكرات التي تمثل الأرض كما ترى من الفضاء. وكان الصانعون على درجة من الدقة بالنسبة إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط المكتشفة جيدا. لكن هذه الدقة كانت تقل أكثر فأكثر كلما ابتعد هؤلاء عن موطنهم. ومعرفتنا الحالية للفضاء تماثل هذه الظاهرة المزعجة والحتمية في آن. وقد كتب الجغرافي الإسكندري سترابو Strabo في القرن الأول الميلادي ما يلي: »لا يقول أولئك الذين عادوا من محاولات الدوران بحرا حول الأرض إنهم منعوا من ذلك بسبب قارة اعترضتهم فالبحر بقي أمامهم مفتوحا تماما. لكنهم عادوا بسبب الافتقار إلى التصميم وندرة المؤن .. وكان إيراتوسثينس قد قال إنه إذا لم يكن اتساع المحيط الأطلسي عائقا ، فإننا نستطيع أن نعبر البحر بسهولة من ايبريا إلى الهند..ومن المحتمل تماما أن يوجد في المنطقة المعتدلة الحرارة أرض أو أرضان مسكونتان.. وفي الواقع فإذا (كان هذا الجزء من العالم) مسكونا فسوف يكون مسكونا برجال لا يشبهون الناس الموجودين في مناطقنا ويجب أن ننظر إليه بوصفه عالما مسكونا آخر .« كان الناس بدأوا يغامرون ، في كل معنى تقريبا ، في السفر إلى عوالم أخرى. وعموما فإن الاكتشاف اللاحق للكرة الأرضية كان جهدا عالميا وشمل السفر من وإلى الصين وبولينيزيا. وكانت الذروة هي اكتشاف أميركا من قبل كريستوفر كولومبوس ورحلات القرون القليلة التالية التي أكملت الاكتشاف الجغرافي للأرض. كانت أول رحلة لكولومبوس ترتبط بشكل مباشر بحسابات إيراتوسثينس ، وقد أعجب كولومبوس بما دعاه »مشروع جزر الهند الغربية « الذي يهدف إلى الوصول إلى اليابان ، والصين ، والهند ليس بالإبحار بمحاذاة الشاطئ الأفريقي ثم الاتجاه شرقا ، بل بالاقتحام الجريء للمحيط الغربي اﻟﻤﺠهول أو كما قال إيراتوسثينس في تنبؤه المذهل عن »عبور البحر من إيبريا إلى الهند .« كان كولومبوس بائعا جوالا يبيع الخرائط القديمة وقارئا مواظبا للكتب التي كتبها الجغرافيون القدماء أو تروي قصص هؤلاء بمن فيهم إيراتوسثينس ، وسترابو ، وبطليموس إلا أنه كان ينبغي من أجل تنفيذ مشروع جزر الهند الغربية مع الحفاظ على حياة البحارة وسفنهم خلال الرحلة الطويلة أن تكون الأرض أصغر مما حسب إيراتوسثينس. ولذا لجأ كولومبوس إلى الغش في حساباته طبقا للتقييم الصحيح لجامعة سالامانكا. فقد استعمل أصغر محيط ممكن للأرض وأطول امتداد نحو الشرق لآسيا استطاع أن يجده في جميع الكتب الموجودة لديه ثم بالغ حتى في هذه القيم. ولو لم يكن الأميركيون على طريق كولومبوس لفشلت بعثته كليا. أصبحت الأرض مكتشفة كليا الآن ولم يعد ممكنا أن نكتشف قارات جديدة أو أماكن ضائعة ولكن التكنولوجيا التي سمحت لنا باكتشاف أو سكن المناطق الأبعد في الأرض هي التي ستسمح لنا الآن بأن نغادر كوكبنا ونغامر في الفضاء لكي نكتشف عوالم أخرى. واذ نغادر الأرض فإننا نصبح قادرين على رؤيتها من الأعلى. ونرى شكلها الكروي ذا الأبعاد الإيراتوسثينسية والصور الكفافية للقارات التي تثبت أن الكثير من صانعي الخرائط القدماء كانوا على درجة ملحوظة من المهارة، فكم كان هذا المنظر سيسعد إيراتوسثينس وجغرافيي الإسكندرية الآخرين ؟ كانت الإسكندرية خلال 600 عام التي بدأت منذ عام 300 قبل الميلاد تقريبا هي المكان الذي انطلقت فيه الكائنات البشرية في المغامرة الفكرية التي قادتنا الآن إلى تخوم الفضاء. إلا أنه لم يبق شيء يمكن مشاهدته والإحساس به من تلك المدينة الرخامية اﻟﻤﺠيدة ، فالظلم والخوف من التعلم أزالا كل شيء تقريبا من ذاكرة مدينة الإسكندرية القديمة.. كان سكانها يشكلون خليطا عجيبا من الناس. فالجنود المقدونيين ولاحقا الجنود الرومان والكهنة المصريون والارستقراطيين الإغريق و البحارة الفينيقيون والتجار اليهود والقادمون من الهند وأفريقيا الصحراوية ، جميعهم عاشوا – ماعدا العدد الكبير من السكان العبيد – في انسجام واحترام متبادل في معظم فترة العظمة التي عاشتها هذه المدينة. وضع أسس المدينة الإسكندر الكبير وبناها حاشيته وجنوده وحراسه السابقون وشجع الإسكندر على احترام الثقافات الأجنبية وعلى الحصول على المعرفة بعقول مفتوحة ويقال إنه قام حسب التقاليد-وليس مهما جدا أن يكون ذلك قد حدث فعلا-بالهبوط تحت سطح البحر الأحمر في أول جهاز غطس في العالم كان على شكل ناقوس. وشجع جنرالاته وجنوده على تزوج النساء الفارسيات والهنديات واحترام آلهة الشعوب الأخرى. وجمع حيوانات غريبة بما فيها الفيل لأرسطو معلمه. وقد بنيت مدينته على مساحة كبيرة لكي تكون مركزعالميا للتجارة والثقافة والتعليم وأقيمت فيها شوارع واسعة بلغ عرضها 30 مترا ومبان و تماثيل رائعة وقبر الإسكندر التذكاري ومنارة ضخمة لإرشاد السفن عدت إحدى العجائب السبع في العالم القديم . لكن المعجزة الكبرى في الإسكندرية هي مكتبتها والمتحف الملحق بها (وبالتعبير الحرفي تلك المؤسسة المعدة لاختصاصات الموزيات التسع) . ولم يبق ومن هذه المكتية الأسطورية الآن سوى القبو الشديد الرطوبة المهمل وهو ملحق المكتبة المعروف بالسيرابيوم والذي استخدم في وقت ما معبدا. ثم كرس لاحقا للموضوعات المعرفية ، وربما لم يبق منه حاليا سوى رفوف باليه. ومع ذلك فان هذا المكان في يوم ما دماغ وفخر أعظم مدينة على كوكب الأرض وأول معهد أبحاث حقيقي في تاريخ العالم.

الكون من منظور الاغريق

وقد درس علماء ا لمكتبة الكون كله (إن كلمة الكون التي هي «Cosmos» في اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنكليزية والروسية.. إلخ ، هي كلمة إغريقية تعني »نظام الكون «). وهي بشكل ما عكس كلمة «Chaos» أي الاختلاط والتشوش أو بمعنى آخر حالة الكون اﻟﻤﺨتلطة قبل تكونه. وهي تتضمن العلاقة المتبادلة العميقة لكل الأشياء وتبعث الرهبة من الطريقة الدقيقة والماهرة التي جمع فيها الكون بالشكل الراهن. وهنا عملت جماعة من العلماء في اكتشاف الفيزياء والأدب والطب وعلم الفلك والجغرافيا والفلسفة والرياضيات والبيولوجيا والهندسة. هنا نشأ العلم والثقافة وازدهرت العبقرية. ففي مكتبة الإسكندرية جمع جنسنا البشري معارف العالم كلها بشكل جدي ومنتظم. وبالإضافة إلى إيراتوسثينس كان هناك عالم الفلك هيبركوس Hipparchus الذي وضع خرائط مجموعات النجوم وقدر إضاءة النجوم ذاتها. وأقليدس الذي وضع أسس علم الهندسة وقالت لمليكه الذي كان يجهد في حل مسألة رياضية صعبة ، لا يوجد طريق ملكي إلى علم الهندسة. وديونيسيوس ( Dionysius ) من تريس Thrace وهو الرجل الذي حدد أجزاء الكلام وفعل في دراسة اللغة ما فعله أقليدس في علم الهندسة. وهيروفيلوس Herophilus الفيزيولوجي الذي اثبت أن الدماغ وليس القلب هو مركز الذكاء ، وهيرون الأسكندري مخترع القطارات ذات التروس (الدواليب المسننة) والمحركات البخارية-ومؤلف كتاب الأتمتة ( Automata ) الذي هو أول كتاب عن أجهزة الروبوت (الإنسان الآلي). وأبولونيوس ( Apollonius ) من بيرغا ( Perga ) عالم الرياضيات الذي أشهر أو كشف أشكال القطوع (جمع قطع) اﻟﻤﺨروطية كالقطع الناقص والقطع المكافئ والقطع الزائد ، وهي المنحنيات التي نعرف الآن انها تشكل مسارات الكواكب والمذنبات والنجوم ، وأرخميدس الذي هو أكبر عبقري ميكانيكي حتى ليوناردو دافينشي ، وعالم الفلك والجغرافيا بطليموس الذي جمع الكثير مما يعد الآن نظام وطرائق وافتراضات علم الفلك الزائف ، علما أن نظريته عن كون الأرض مركزا للكون بقي معمولا بها مدة 1500 سنة ، الأمر الذي يعد مؤشرا إلى أن القدرات العلمية ليست ضمانا لعدم الوقوع في الخطأ. وبين هؤلاء الناس العظام وجدت امرأة عظيمة هي هيباتيا ( Hypatia ) عالمة الرياضيات والفلك ، وهي آخر ضوء في مكتبة الأسكندرية ، إذ إن استشهادها يرتبط بتدمير هذه المكتبة بعد سبعة قرون من تأسيسها. اهتم ملوك مصر الإغريقيون الذين جاؤوا بعد الإسكندر بشكل جدي بالتعليم فدعموا لقرون الأبحاث وحافظوا على خلق جو ملائم وعملي في المكتبة لأفضل عقول ذلك العصر. واحتوت هذه المكتبة على عشر قاعات كبيرة للأبحاث خصص كل منها لموضوع منفصل ، وضمت نوافير مائية وأعمدة وحدائق نباتية وحديقة حيوانات وغرفا لتشريح الجثث ومرصد وقاعة كبيرة للطعام كانت تستخدم في أوقات الفراغ للمناقشة الانتقادية للأفكار المطروحة . كان قلب المكتبة هو مجموعة الكتب الموجودة فيها. وعمد المنظمون إلى جمع ثقافات العالم ولغاته كلها. وكانوا يرسلون وكلاءهم إلى الخارج لشراء مجموعات الكتب ومخطوطات الدراسة أو المراجعة . وكانت السفن التجارية التي ترسو في ميناء الإسكندرية تفتش من قبل الشرطة ليس من أجل المهربات بل الكتب ، إذ كانت لفائف ورد البردي تستعار لكي تنسخ ثم تعاد إلى أصحابها ويصعب تقدير ما كانت تحتويه هذه المكتبة ، لكن يبدو محتملا أنها احتوت على نصف مليون مجلد كل منها عبارة عن لفافة من ورق البردي مكتوبة بخط اليد فماذا حدث لكل هذه الكتب ؟ عفا الزمن على الحضارة الكلاسيكية التي أنتجتها ودمرت المكتبة ذاتها عن عمد ولم ينج سوى القليل من محتوياتها إلى جانب أجزاء متناثرة من الكتب تثير الشفقة والحزن. وكم تبعث هذه الأجزاء والنتف الباقية من الألم العميق في النفوس.

نحن نعلم على سبيل المثال أنه كان يوجد على رفوف المكتبة كتاب لعالم الفلك ارسطرخس من ساموس ( Aristarchus Of Samos ) الذي أكد أن الأرض هي أحد الكواكب وتدور مثلها حول الشمس وأن النجوم موجودة على مسافات كبيرة جدا منا ، وأن كلا من هذه الاستنتاجات صحيح تماما ، لكن كان علينا أن ننتظر زهاء ألفي سنة لكي نكتشف هذه الحقائق مرة أخرى وان ضاعفنا إحساسنا بخسارة هذا المؤلف لارسطرخس مئة ألف مرة عند ذاك نبدأ بتقدير عظمة إنجاز هذه الحضارة الكلاسيكية ومأساة تدميرها. لقد تجاوزنا الآن وإلى حد بعيد العلم الذي عرفه العالم القديم ، ولكن توجد ثغرات لا يمكن ردمها في معرفتنا التاريخية ، فتصور أي خفايا عن ماضينا كان يمكن كشف النقاب عنها بوساطة بطاقة استعارة تقدم إلى مكتبة الإسكندرية ونحن نعلم بفقدان ثلاثة مجلدات عن تاريخ العالم كان قد كتبها كاهن بابلي اسمه بيروسوس ( Berossus ) الأول منها يعالج المرحلة منذ بداية الخليقة حتى الطوفان وهي فترة امتدت 432 ألف سنة أي أطول مئة مرة من تقويم العهد القديم فما أشد توقنا إلى أن نعرف ماذا كان فيه!. عرف القدماء أن عمر العالم قديم جدا. وسعوا إلى أن يعرفوا شيئا عن الماضي البعيد ونحن نعرف الآن أن الكون أقدم بكثير مما تصور هؤلاء. وقد قمنا بدراسة الكون في الفضاء ورأينا أننا نعيش على »ذرة من الغبار « تدور حول نجم رتيب في أبعد زاوية من مجرة مظلمة. واذا كنا نحن ذرة في اتساع الفضاء فإننا نحتل أيضا لحظة من امتداد العصور. ونعلم الآن أن كوننا في بعثه الحديث على الأقل يبلغ من العمر نحو 15 أو 20 مليار سنة ، وهذا الزمن محسوب منذ ذلك الحدث التفجيري الاستثنائي الذي يعرف بالانفجار الكبير ( The Big Bang ) وفي بداية الكون لم تكن هناك مجرات ونجوم أو كواكب أو حياة أو حضارات ، بل مجرد كرة نارية مشعة منتظمة الشكل تملأ الفضاء كله. وان الانتقال من حالة تشوش اختلاط الانفجار الكبير إلى حالة الكون المنتظم التي بدأنا نعرفها ، هو التحول الأشد رعبا للمادة والطاقة الذي كان لنا الحظ في القاء نظرة خاطفة عليه. وإلى أن نجد كائنات أكثر ذكاء منا في مكان آخر ، فإننا نظل الظاهرة الأهم في كل التحولات التي نجمت عن هذا الانفجار الكبير ، والأحفاد البعيدين جدا له الذين تقع على عاتقهم مهمة فهم الكون الذي نشأنا منه ، والعمل بالتالي على تحويله.

للمزيد من سلسلة الكون ، يمكنك متابعة البرنامج التلفزيوني بالترجمة العربية على يوتيوب:

اترك تعليقاً

Close Menu