الطاقة المظلمة ، كونيات 2 ، دورة مكثفة في علم الفلك


Dark Energy, Cosmology part 2: Crash Course Astronomy #43

كانت الحلقة السابقة من سلسلتنا

محيرة بعض الشيء.

فقد رأينا أن الكون يتوسع،

والفضاء يتوسع، ويحمل معه المجرات.

وذلك يعني أنه كان أكثر كثافة في الماضي

وفي مرحلة ما، قبل 13،82 مليار عام بالتحديد،

ضُغط المكان والزمان والطاقة معاً

في نقطة واحدة شديدة الكثافة.

يطلق علماء الفلك على ذلك اسم “التفرد”،

وهو اسم مناسب.

شيء ما جعل ذلك التفرد يتحرّر فجأة،

وينفجر بعنف ثم يبرد

ليُشكل الكون الذي نشاهده اليوم.

استغرق علماء الفلك وقتاً لاستيعاب هذه الفكرة.

لكن في أيامنا هذه، النموذج الفعّال الحاليّ

لتشكّل الكون يعتمد طريقة الانفجار الكبير.

كل المجرات التي نراها تتحرك لتبتعد عن بعضها،

فيما تتوسع المسافات بينها.

ونقصد ذلك على نطاق واسع. تذكروا تحليل

المسطرة، على النطاق الضيق، التوسع بسيط.

وعلى النطاق الأوسع، سيكون التوسع أسرع.

لذلك تبدو المجرات البعيدة،

كأنها تبتعد عنا بسرعة أكبر.

على النطاق الأصغر، سيكون التوسع صغيراً

بحيث تستطيع الجاذبية أن تتغلب عليه.

مجرة أندروميدا أو المرأة المتسلسلة مثلًا

تبعد عنا مسافة 2،5 مليون سنة ضوئية،

ويعني ذلك أن المفترض أنها تبتعد عنا

بسرعة خمسين كيلومتراً في الثانية تقريباً.

لكن بسبب جاذبيتنا المتبادلة فهي تتحرك

باتجاهنا، وحركتها المحلية في الفضاء

تكفي للتغلب على توسع المسافة بيننا.

يشبه ذلك الصعود على سلم كهربائي أثناء هبوطه،

اركض بالسرعة الكافية، وستستطيع الوصول للقمة.

لكن كل مجرة لها جاذبية،

وهناك الكثير من المجرات في الكون.

وذلك يتجمع، ويفترض أن يؤثر على معدل التوسع.

يشبه ذلك فكرة “سرعة الإفلات”،

فإن ألقينا صخرة بالقوة الكافية،

رغم أن الجاذبية ستخفف سرعتها، إلا أنها ستفلت.

لكن إن لم ترمها بالسرعة الكافية،

فستخف سرعتها، وتتوقف وتعكس مسارها، وتسقط.

توقع علماء الفلك رؤية ذلك التأثير

على توسع الفضاء.

إن نظرت إلى أوسع النطاقات،

ستتوقع رؤية الكون يتباطأ.

جاذبية مادة الكون نفسها

تخفف سرعة التوسّع.

وعند اكتشاف المادة المظلمة، عنى ذلك أن على

الكون التباطؤ أكثر مما اعتقدنا في البداية.

لكن حين بدأ علماء الفلك

يبحثون عن أدلة على هذا

كان ما توصلوا إليه أكبر صدمة

في تاريخ علم الفلك.

في تسعينات القرن العشرين، كان فريقان

من علماء الفلك يستخدمان أكبر تلسكوبات العالم

للنظر إلى أعمق بقاع الكون بقدر المستطاع.

كانوا يبحثون عن مسعر أعظم بعيد جداً،

ولم يكونوا يبحثون عن أي نوع منها فحسب،

بل عن النوع الخاص المسمى “الفئة 1 أ”.

تحدثت عنها من قبل،

وهي تنتج حين ترتفع كتلة نجم القزم الأبيض

حتى يعجز ضغط تفسخ الإلكترون

عن الصمود ضد جاذبية نفسه،

فينهار، ويخضع لموجة كارثية

من الاندماج الحراري، وينفجر.

يكمن جمال هذا النوع من المسعرات العظمى

أنها تحدث حين تصل كتلة القزم الأبيض

إلى 1،4 ضعف كتلة الشمس. وهذا هو الرقم السحري،

حيث يتغلب الضغط على الجاذبية

ثم يحدث الانفجار.

يجعلها ذلك شموعاً جيدة،

أجساماً تتمتع ببريق ذاتي وسطوع معروفين.

معرفة ذلك، إضافة إلى قياس

مستوى سطوعها الظاهري في التلسكوب

يتيح لنا حساب بُعدها.

ثم يمكننا مقارنة ذلك بالانزياح الأحمر

للمسعر الأعظم، وهي طريقة أخرى لمعرفة بُعده.

وهذا سيعرّفنا بالسرعة

التي يتوسّع بها الكون على نطاقات واسعة جداً.

لكنّ النتائج التي توصّلوا إليها

لم تكن منطقية.

مرارًا، كان يتضح أن المسعر الأعظم

أقل توهجاً مما توقعوا. وكأن التوقعات…

القائمة على الانزياحات الحمراء استهانت

بالمسافات التي تفصلنا عن النجوم المتفجرة.

فعل علماء الفلك كل ما بوسعهم

لرؤية إن كانوا قد أخطأوا في شيء ما

لدرجة أنهم أعدّوا قائمة

بالأشياء التي قد تجعل النجوم تبدو خافتة.

كالغبار الكوني والتركيبات الكيماوية المختلفة

للنجوم التي انفجرت، وأشياء أخرى كثيرة.

لكن في النهاية، توصل الفريقان

إلى استنتاج واحد، كل منهما على حدة.

المسعر الأعظم كان أبعد مما توقعوا.

وكان ذلك يعني شيئاً صادماً جداً،

أن عمليّة توسّع الكون تتسارع.

تذكروا أن هذا جنون،

كنا نتوقع من توسع الفضاء أن يتباطأ

بسبب جاذبية المادة في الكون،

لكن تبيّن أنه يتسارع!

من الصعب التعبير عن الصدمة التي يسببها ذلك.

هذا يشبه أن تلقي صخرة في الهواء

وبدلًا من أن تتباطأ وتعود إلى يدك،

فهي تتسارع وتنطلق للأعلى بسرعة أكبر فأكبر.

وبذلك تتحدى جاذبية الأرض.

تكونت الشكوك لدى العلماء

وما زالت الشكوك تراود كثيرين منهم.

لكنّ القياسات أكّدت هذه النتيجة.

الكون لا يتوسّع فحسب

بل يتوسع بسرعة أكبر في كل يوم.

ما الذي يمكنه أن يتسبّب بشيء كهذا؟

بصراحة، نحن لا نعلم، ليس بدقة. لكن أياً

كان ما يتصرف كطاقة تغمر الفضاء وتعجّل التوسّع.

ولا يمكننا رؤية ذلك، أي أنه خفيّ.

لدينا مادة مظلمة مسبقاً

لذا، سُميت هذه الطاقة بـ”الطاقة المظلمة”.

تبدو كأنها ملكية الفضاء نفسه، كمية بسيطة

من الطاقة في كل سنتيمتر مكعب من الكون.

الكمية في السنتيمتر المكعب صغيرة جداً.

لكن هناك الكثير من السنتيمترات المكعبة

في الكون، وتشكّل كمية كبيرة عند تجمعها.

ونستطيع تجميعها فعلياً. والآن وقد أصبح

لدينا قياسات لهذا، يمكننا إجراء جرد للكون.

يمكننا أخذ مجموع المادة والطاقة،

لنصنع ميزانية للمواد في الكون.

وحين نفعل ذلك، ستبدو النتيجة بهذا الشكل.

95 بالمئة من الكون

تتشكل من مواد لا يمكننا رؤيتها مباشرة.

نسبة المادة العادية هي واحد من عشرين

ربما علينا إعادة التفكير في تسميتها “عادية”.

إذن، إن كان ثُلثي الميزانية الكونية تتشكل

من الطاقة المظلمة، فتأثيرها كبير حتماً، صحيح؟

نعم، كتغيير المصير النهائي للكون بأكمله.

السؤال المهم، من أهم التساؤلات المطروحة

هو هل سيستمر الكون في التوسع إلى الأبد؟

لدى علماء الفلك إطار عمل

للإجابة عن هذا السؤال.

ونسميه “هندسة الكون”، المادة لها جاذبية،

والجاذبية تحني المكان أو الفضاء.

أيحتوي الكون كمية كافية من المادة لإيقاف

التوسع؟ تصف هندسة الكون انحناءه الشامل.

شكل الفضاء على أكبر نطاق.

للتوضيح، هذه الفكرة مهمة لعلماء الكون،

لكنها غريبة ومُربكة لمبتدئ في المجال.

لكن الكثير من صفوف علم الفلك تدرّسه.

لذا، سأتحدث عنه بشكل مختصر. وإن أردتم

مزيداً من المعلومات، سنترك روابط في الأسفل.

فكرة هندسة الكون

أنه إن كانت هناك مادة كافية

فإن سرعة التوسع الكوني ستقل وتتوقف،

ثم سينهار كل شيء. أشبه بانفجار كبير معكوس.

إن لم تكن هناك مادة كافية،

فسيستمر توسّع الكون إلى الأبد.

وبين الأمرين، ثمة كمية كافية من المادة

تخفف سرعة التوسّع، لكنه لا يتوقف تماماً أبداً.

حتّى مرور وقت غير محدود في المستقبل.

يشبه ذلك فكرة سرعة الإفلات.

كان يُعتقد يوماً ما أن هندسة الكون

مرتبطة بكمية المادة فيه

وتحدد مصيره، لكن الطاقة المظلمة

وأثبتت خطأ ذلك.

الهندسة وحدها لا تحدد

المصير النهائي للكون.

نعتقد أن هناك كمية كافية من الطاقة المظلمة

في الفضاء، تكفي ليستمر التوسّع إلى الأبد.

رغم الهندسة، الطاقة المظلمة قوية جداً

وستجعل توسّع الكون يستمر

وستزيد سرعته.

إذن، في الوقت الحالي، الجواب حسب معلوماتنا

هو نعم، سيستمرّ الكون في التوسّع إلى الأبد.

هناك موضوع معقد آخر

علينا أن نفكر به.

الفضاء بحدّ ذاته يتوسّع، وحين ينتقل الضوء

من مجرة لأخرى، فهو يقاوم ذلك التوسّع.

ويفقد الطاقة، كما تفقد طاقتك

أثناء صعود الدرج.

حين يفقد الضوء الطاقة، يزداد طول موجته،

وذلك هو الانزياح الأحمر الكونيّ.

كلما زاد بُعد المجرة، ستزداد سرعة تراجعها،

والطاقة التي يفقدها الضوء بطريقه إلينا.

لكن مهلًا، على مسافة معينة منّا،

سيتوسّع الفضاء بسرعة كبيرة

لدرجة أن مجرّة في ذلك الجزء من الكون

ستكون في طور الابتعاد عنا بسرعة الضوء.

وأي شيء بعدها سيبتعد عنا

بسرعة تفوق سرعة الضوء.

قبل أن تبدأوا بالتذمّر، سأقول لكم:

نعم، هذا ممكن. سرعة الضوء هي الأكبر في الكون.

إن كنت تنتقل عبر الفضاء،

لكنّ الفضاء نفسه مستثنى من تلك القاعدة.

فهو يستطيع التمدد بأية سرعة يريدها.

المواد في داخله كالمجرات والنجوم وغيرها

تنطلق معه، أي أنها لا تنتقل عبر الفضاء

بل تنتقل معه.

حين رأيتم معادلات حساب المسافة والانزياح

الأحمر، المسافة التي يجب أن تكون عليها المجرة

لتبتعد بسرعة الضوء تساوي 13،8 مليار سنة

ضوئية، إليكم معلومة ممتعة

ما زال بوسعنا رؤية مجرات على تلك المسافة

البعيدة، ويمكننا رؤيتها أبعد، كيف؟

لأن تلك المسافة هي بُعد المجرة عنّا الآن.

حين بعثت ذلك الضوء

كان الكون أحدث وأصغر حجماً،

وكانت المجرة أقرب منّا.

كانت على مسافة 4،5 مليار سنة ضوئية آنذاك،

واستغرق الضوء 9 مليارات سنة ليصل إلينا.

في ذلك الوقت، كانت المسافة بيننا والمجرة

لم تكن تتوسّع بسرعة، ليجاريها الضوء.

والآن، بعد كل هذا الوقت،

المسافة بيننا وبين تلك المجرة

تعني أننا نبتعد عن بعضنا بسرعة الضوء.

لكن في ذلك الوقت،

كنا قريبين من بعضنا بحيث نستطيع رؤية بعضنا.

لذلك السبب نفسه، نستطيع رؤية المجرات

التي تبتعد عنا بسرعة تفوق سرعة الضوء.

لأنها حين بعثت ذلك الضوء،

كانت المسافة التي تفصل بيننا أقل.

أبعد المجرات التي نراها

تبعد عنا الآن 45 مليار سنة ضوئية.

ونسمّي ذلك “الكون المنظور”،

وهو في الأساس الأفق الكونيّ.

لكنّ الكون في الواقع قد يكون أكبر

من هذا بكثير. من يدري؟ قد يكون لا نهائيّ.

لكنّنا نستطيع فقط رؤية المجرات التي تبعد عنّا

الآن 45 مليار سنة ضوئية. وهذه هي أفقنا.

إن كان الفضاء يتوسّع ببساطة،

فإنّ حجم الكون المنظور سيتوسّع أيضاً.

لكن لدينا طاقة مظلمة،

ويتوسّع الفضاء بسرعة أكبر في كل يوم.

ويعني ذلك أنّ ضوء المجرّة البعيدة

يقاوم المزيد من التوسّع طوال الوقت.

هذا أشبه بالصعود على درج يزداد انحداراً

باستمرار، مقارنة بالتوسّع المستمرّ

المجرّة في كون متسارع يجب أن تكون أقرب منّا

لنراها. إنّها تفقد الطاقة بسرعة أكبر

الأسوأ أنّ ذلك القتال يزداد صعوبة في كلّ يوم،

مجرّة في الأفق الكونيّ

والتي تقع على حافة الكون المنظور الآن قد تكون

مرئيّة، لكن في المستقبل المسافة بيننا وبينها

ستكون قد توسّعت أكثر، لا يمكن للضوء

مقاومة ذلك التوسّع، ولن يصل إلينا أبداً.

وستختفي المجرّة مع مرور الوقت.

هذا له تأثير غريب ومخيف.

الكون المنظور يصبح أصغر حجماً

والأفق الكونيّ يقترب منّا، وفي النهاية، سيقترب

منّا لدرجة أنّ كلّ مجرّة بالسماء باستثناء مجرتنا

ستصبح بعده. في تلك المرحلة، جاذبيتنا المجرّية

قد تكون قد تغلبت على توسّع الفضاء

لذا، سنبقى كما نحن،

لكنّ السماء بعد ذلك ستكون سوداء.

وستكون حافة الكون

على مسافة بضعة مئات آلاف السنوات الضوئية.

بدلًا من عشرات المليارات.

المفارقة الساخرة الكبرى أنّ الكون نفسه يتوسّع،

لكنّنا نرى مساحة أقلّ منه في كل يوم.

لذا، علينا أن ندرسه بينما نحن قادرين على ذلك.

قد تكون أمامنا بضعة ترليونات السنوات فقط

لنفهم هذا.

تعلمنا اليوم أن غالبية الكون

تتكون من الطاقة المظلمة.

وهي كينونة غامضة حالياً

تنتشر في الفضاء. لا نعرف ما هي بالتحديد

لكنّنا نفهم ما تفعله. فهي تسرّع من توسّع الفضاء،

نظنّ ذلك يعني أنّ الكون سيتوسّع إلى الأبد.

حتّى بينما تتقلّص رؤينا له

بينما يتوسّع الفضاء بسرعة أكبر طوال الوقت.

تم إنتاج سلسلة Crash Course لعلم الفلك

بالتعاون مع استوديوهات PBS Digital.

زوروا قناتهم على يوتيوب لمشاهدة حلقات

رائعة أخرى. أنا فيل بليت كتبت هذه الحلقة

ومحرر النص هو بليك دي باستينو

ومستشارتنا هي الدكتورة ميشيل ثالر

وهي من إخراج نيكولاس جنكنز

ومونتاج نيكول سويني

ومصمم الصوت هو مايكل أراندا

وفريق الرسومات هو Thought Café.

اترك تعليقاً